اسماعيل بن محمد القونوي

418

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فتصحيحه مفوض إلى فكر قارئها وهذا عجب كأنه ذهل عن تحقيق المصنف في الآية المذكورة والحاصل أن هذا المعنى لباطن القرآن وما ذكر أولا لظاهر الآية فلا تغفل . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 74 ] ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 ) قوله : ( القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة كما في الحجر ) أي أن معناها الحقيقي الغلظة مع الصلابة نقل عن القرطبي والواحدي أنها عبارة عن الصلابة والشدة واليبس انتهى . والمص لم يذكر الشدة لأنها عين الصلابة أو لازمة لها وذكر الغلظة بدل اليبس إما أخذا بالحاصل أو بناء على اختلاف اللغة وإدخال مع في الصلابة إشارة إلى أصالته . قوله : ( وقساوة القلب مثل في نبوة عن الاعتبار ) أي أنها استعارة تمثيلية شبهت الهيئة المنتزعة من أمور عديدة وهي القلب وحاله وهو عدم الاعتبار والاتعاظ بالآيات والنذر بالهيئة المأخوذة من الأمور العديدة وهي الحجر وصلابته ويبسه وعدم التأثر بالمؤثر فاستعمل اللفظ المركب الموضوع للهيئة المشبه بها في الهيئة المشبهة لكن القسوة لما كانت هي العمدة في الصورة المشبه بها اقتصر على القسوة فأطلق على الحالة المشبهة كما مرّ توضيحه في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] ولو حمل الكلام على الاستعارة التبعية في قست فقط من غير اعتبار تشبيه صورة بصورة أخرى كما أشار إليه المص في قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] لم يبعد ولم يحتج إلى ذلك الاعتذار لكنه اختار الاستعارة التمثيلية لكونها أبلغ فمهما أمكنت لا يحسن أن يصار إلى غيرها ولا ندعي أن مراده الجمع بين الاستعارة التمثيلية والتبعية حتى قيل إن اجتماعهما غير ثابت بل المراد إما استعارة تمثيلية فقط أو استعارة تبعية فقط على أن عدم اجتماعهما غير ثابت أيضا وقد مرّ الكلام فيه في قوله : أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : 5 ] فليطلب من هناك قيل ولاعتبار هذه الاستعارة حسن التفريع والتعقيب بقوله فَهِيَ كَالْحِجارَةِ [ البقرة : 74 ] بخلاف ما إذا جعلت القلوب استعارة بالكناية والقسوة قرينة فإنه لا يحسن بل لا يصلح أن يقال يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [ البقرة : 27 ] فهو كالحبل إذا وثق بناء على أن استعمال العهد أصل والنقض تبع بخلاف قوله : تقري الرياح رياض الحزن مزهرة * إذا سرى النوم في الأجفان إيقاظا قوله : وقساوة القلب مثل في نبوة عن الاعتبار إشارة إلى أنه استعارة تبعية على طريق التمثيل شبهت حال قلوبهم وهي نبوها عن الاعتبار بحال الحجارة وهي القسوة في عدم التأثر ثم سرت إلى الفعل في حسن التفريع بقوله به فَهِيَ كَالْحِجارَةِ قال بعضهم ولو قلنا في قلوبهم استعارة بالكناية ونسبة القسوة إليها قرينتها كان أنسب وفيه نظر إذ لم يحسن حينئذ ذلك التفريع كما لا يستقيم أن يقال يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ [ البقرة : 27 ] فهو كالحبل واثق منه .